فخر الدين الرازي
36
تفسير الرازي
منهم ) * ( يونس : 2 ) وقالوا : * ( لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً ) * ( الفرقان : 7 ) . فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله : * ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم ) * والمعنى : أن عادة الله تعالى من أول زمان الخلق والتكليف أنه لم يبعث رسولاً إلا من البشر ، فهذه العادة مستمرة لله سبحانه وتعالى ، وطعن هؤلاء الجهال بهذا السؤال الركيك أيضاً طعن قديم فلا يلتفت إليه . المسألة الثانية : دلت الآية على أنه تعالى ما أرسل أحداً من النساء ، ودلت أيضاً على أنه ما أرسل ملكاً ، لكن ظاهر قوله : * ( جاعل الملائكة رسلاً ) * ( فاطر : 1 ) يدل على أن الملائكة رسل الله إلى سائر الملائكة ، فكان ظاهر هذه الآية دليلاً على أنه ما أرسل رسولاً من الملائكة إلى الناس . قال القاضي : وزعم أبو علي الجبائي أنه لم يبعث إلى الأنبياء عليهم السلام إلا من هو بصورة الرجال من الملائكة . ثم قال القاضي : لعله أراد أن الملك الذي يرسل إلى الأنبياء عليهم السلام بحضرة أممهم ، لأنه إذا كان كذلك فلا بد من أن يكون أيضاً بصورة الرجال ، كما روي أن جبريل عليه السلام حضر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي وفي صورة سراقة ، وإنما قلنا ذلك لأن المعلوم من حال الملائكة أن عند إبلاغ الرسالة من الله تعالى إلى الرسول قد يبقون على صورتهم الأصلية الملكية ، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام على صورته التي هو عليها مرتين ، وعليه تأولوا قوله تعالى : * ( ولقد رآه نزلة أخرى ) * ( النجم : 13 ) ولما ذكر الله تعالى هذا الكلام أتبعه بقوله : * ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : في المراد بأهل الذكر وجوه : الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد أهل التوراة ، والذكر هو التوراة . والدليل عليه قوله تعالى : * ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ) * ( الأنبياء : 105 ) يعني التوراة . الثاني : قال الزجاج : فاسألوا أهل الكتب الذين يعرفون معاني كتب الله تعالى ، فإنهم يعرفون أن الأنبياء كلهم بشر ، والثالث : أهل الذكر أهل العلم بأخبار الماضين ، إذ العالم بالشيء يكون ذاكراً له . والرابع : قال الزجاج : معناه سلوا كل من يذكر بعلم وتحقيق . وأقول : الظاهر أن هذه الشبهة وهي قولهم : الله أعلى وأجل من أن يكون رسوله واحداً من البشر إنما تمسك بها كفار مكة ، ثم إنهم كانوا مقرين بأن اليهود والنصارى أصحاب العلوم والكتب فأمرهم الله بأن يرجعوا في هذه المسألة إلى اليهود والنصارى ليبينوا لهم ضعف هذه الشبهة وسقوطها ، فإن اليهودي والنصراني لا بد لهما من تزييف هذه الشبهة وبيان سقوطها . المسألة الثانية : اختلف الناس في أنه هل يجوز للمجتهد تقليد المجتهد ؟ منهم من حكم بالجواز